فصل: فيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ يَا ابْنَ الْأَقْطَعِ أَوْ يَا ابْنَ الْأَسْوَدِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المدونة (نسخة منقحة)



.في الرَّجُلِ يَقْذِفُ وَلَدَهُ أَوْ وَلَدَ وَلَدِهِ:

قُلْت: أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَقْذِفُ وَلَدَهُ أَوْ وَلَدَ وَلَدِهِ بِالزِّنَا مِنْ قِبَلِ الرِّجَالِ أَوْ النِّسَاءِ، أَتَحُدُّهُ لَهُمْ في قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَمَّا ابْنُهُ فَإِنَّ مَالِكًا كَانَ يَسْتَثْقِلُ أَنْ يَحُدَّهُ فيهِ وَيَقُولُ لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الْبِرِّ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ أَقَامَ عَلَى حَقِّهِ كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَعَفْوُهُ عَنْهُ جَائِزٌ عِنْدَ الْإِمَامِ.
قَالَ: وَأَمَّا وَلَدُ وَلَدِهِ، فَإِنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ، وَأَرَى أَنْ يَكُونَ مِثْلَ وَلَدِهِ.
قُلْت: أَرَأَيْت الْأَبَ، أَيُقْتَصُّ مِنْهُ لِوَلَدِهِ أَوْ لِوَلَدِ وَلَدِهِ في قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَقْتُلُ ابْنَهُ أَيُقْتَلُ بِهِ؟
قَالَ: أَمَّا مَا كَانَ مِنْ الْعَمْدِ الَّذِي يَكُونُ فيهِ الْقِصَاصُ مِنْ غَيْرِ الْأَبِ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ، مِثْلَ أَنْ يَضْرِبَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ بِالْعَصَا أَوْ يَرْمِيَهُ بِالْحِجَارَةِ أَوْ يَحْذِفَهُ بِالسَّيْفِ أَوْ بِالسِّكِّينِ فيمُوتَ مِنْهُ، فيكُونُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ فيهِ الْقِصَاصُ، فَإِنِّي لَا أَرَى أَنْ يُقْتَصَّ مِنْ الْأَبِ في شَيْءٍ مِنْ هَذَا إلَّا أَنْ يَعْمِدَ الْأَبُ لِقَتْلِ ابْنِهِ، مِثْلَ أَنْ يُضْجِعَهُ فيذْبَحَهُ ذَبْحًا أَوْ يَشُقَّ جَوْفَهُ، فَهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يَعْلَمُ النَّاسُ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ الْقَتْلَ بِعَيْنِهِ عَامِدًا لَهُ، فَهَذَا يُقْتَلُ بِابْنِهِ إذَا كَانَ هَكَذَا.
وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ هَذَا مِمَّا وَصَفْتُ لَك، مِمَّا لَوْ فَعَلَهُ غَيْرُ الْأَبِ بِهِ كَانَ فيهِ الْقِصَاصُ أَوْ الْقَتْلُ فَإِنَّ ذَلِكَ مَوْضُوعٌ عَنْ الْأَبِ وَعَلَيْهِ فيهِ الدِّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ، وَأَرَى الْجِرَاحَ بِمَنْزِلَةِ الْقَتْلِ مَا كَانَ مِنْ رَمْيَةٍ أَوْ ضَرْبَةٍ فَلَا قِصَاصَ عَلَى الْأَبِ فيهِ، وَتُغَلَّظُ عَلَيْهِ فيهِ الدِّيَةُ مِثْلَ النَّفْسِ.
وَمَا كَانَ مِمَّا تَعَمَّدَهُ مِثْلَ أَنْ يُضْجِعَهُ فيدْخِلَ إصْبَعَهُ في عَيْنِهِ أَوْ يَأْخُذَ سِكِّينًا فيقْطَعَ أُذُنَهُ أَوْ يَدَهُ، فَأَرَى أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهُ.
وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ في النَّفْسِ وَالْجَدِّ في وَلَدِ وَلَدِهِ بِمَنْزِلَةِ الْوَلَدِ في وَلَدِهِ.
وَكَذَلِكَ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ في الْجَدِّ وَهُوَ رَأْيِي.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ لِابْنِهِ: يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ.
فَقَامَ بِحَدِّ أُمِّهِ، أَيُحَدُّ لَهُ الْأَبُ في قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ يُحَدُّ لَهُ، لِأَنَّ الْحَدَّ هَهُنَا لَيْسَ لَهُ، إنَّمَا الْحَدُّ لِأُمِّهِ، وَإِنَّمَا قَامَ هُوَ بِالْحَدِّ لِأُمِّهِ قَالَ: وَهَذَا إذَا كَانَتْ الْأُمُّ مَيِّتَةً، فَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْأُمُّ حَيَّةً فَلَيْسَ لِلْوَلَدِ أَنْ يَقُومَ بِذَلِكَ إلَّا أَنْ تُوَكِّلَهُ.
قَالَ: وَلَقَدْ سَمِعْتُ مَالِكًا، وَسَأَلَهُ قَوْمٌ عَنْ امْرَأَةٍ كَانَتْ لِرَجُلٍ فَفَارَقَهَا وَلَهُ مِنْهَا وَلَدٌ فَتَزَوَّجَتْ رَجُلًا فَوَلَدَتْ لَهُ وَلَدًا فَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَلَدِهِ مِنْهَا كَلَامٌ فَقَالَ: أُشْهِدُكُمْ أَنَّهُمْ لَيْسُوا بِوَلَدِي.
فَقَامَ إخْوَتُهُمْ لِأُمِّهِمْ - بَنُو الْمَرْأَةِ مِنْ غَيْرِهِ - فَقَالُوا: نَأْخُذُك بِحَدِّ أُمِّنَا لِأَنَّك قَذَفْتَهَا وَقَامَتْ الْأُمُّ بِذَلِكَ.
قَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا أَرَادَ قَذْفًا، وَمَا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ إلَّا كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ لِوَلَدِهِ: لَوْ كُنْتُمْ وَلَدِي لَأَطَعْتُمُونِي وَمَا يُشْبِهُ هَذَا مِمَّا يَقُولُهُ الرَّجُلُ لِوَلَدِهِ، فَإِنْ حَلَفَ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَرَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَحْلِفْ جُلِدَ الْحَدَّ.
قُلْت: أَرَأَيْت إذَا قُذِفَتْ الْمَرْأَةُ وَهِيَ مَيِّتَةٌ أَوْ غَائِبَةٌ فَقَامَ بِحَدِّهَا وَلَدٌ أَوْ وَلَدُ وَلَدٍ أَوْ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ أَوْ ابْنُ أَخٍ أَوْ عَمٌّ أَوْ أَبٌ، أَيُمَكَّنُ هَؤُلَاءِ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ أَمَّا في الْمَوْتِ فَنَعَمْ وَأَمَّا في الْغَيْبَةِ فَلَا.

.في الرَّجُلِ يَقْذِفُ الرَّجُلَ عِنْدَ الْقَاضِي:

قُلْت: أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَقْذِفُ الرَّجُلَ بَيْنَ يَدَيْ الْقَاضِي وَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ شَاهِدٌ إلَّا الْقَاضِي، أَيَحُدُّهُ الْقَاضِي أَمْ لَا في قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُقِيمُ الْحُدُودَ الْقَاضِي إذَا لَمْ يَكُنْ شَاهِدٌ غَيْرَهُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ شَاهِدٌ آخَرُ أَيْضًا لَمْ يُقِمْ الْحَدَّ، وَلَكِنْ يَرْفَعُ ذَلِكَ إلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ فيقِيمُ الْحَدَّ.
قُلْت: أَرَأَيْت الْقَاضِي إذَا نَظَرَ إلَى رَجُلٍ اغْتَصَبَ مَنْ رَجُلٍ مَالًا وَلَمْ يَرَهُ غَيْرُهُ، أَيَحْكُمُ لَهُ عَلَيْهِ أَمْ لَا في قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَحْكُمَ بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ شَاهِدٌ فَلِيَرْفَعْ إلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فيهِ شَيْئًا إلَّا أَنَّ مَالِكًا لَمَّا سُئِلَ عَمَّا يَخْتَصِمُ النَّاسُ فيهِ فيمَا بَيْنَهُمْ عِنْدَ الْقَضَاءِ فيقِرُّ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ثُمَّ يَجْحَدُونَ وَلَا يَحْضُرُ ذَلِكَ أَحَدٌ إلَّا الْقَاضِي، أَتَرَى أَنْ يَقْضِيَ بِمَا أَقَرُّوا بِهِ وَيَمْضِي ذَلِكَ عَلَيْهِمْ؟
قَالَ: لَا، وَمَا أَقَرُّوا بِهِ مِمَّا لَمْ يَعْلَمْهُ غَيْرُهُ بِمَنْزِلَةِ مَا اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِنْ حُدُودِ النَّاسِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ في إقْرَارٍ بِحَقٍّ وَلَا حَدٍّ يَشْهَدُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ إلَّا بِشُهُودِ غَيْرِهِ، أَوْ بِشَاهِدٍ يَكُونُ مَعَهُ فيرْفَعُهُ إلَى مَنْ فَوْقَهُ.
وَذَلِكَ أَنَّ نَاسًا ذَكَرُوا عَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ أَنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْحُدُودِ وَالْإِقْرَارِ فَقَالُوا: يُنَفِّذُ الْإِقْرَارَ في وِلَايَتِهِ وَلَا يُنَفِّذُ مَا أُقِرَّ بِهِ عِنْدَهُ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ أَوْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ وَمَنْ كَانَ شَهِدَ عَلَيْهِ، فَسُئِلَ مَالِكٌ، فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ إلَّا وَاحِدًا.

.في الرَّجُلِ يَقُولُ لِلرَّجُلِ يَا ابْنَ الزَّانِيَيْنِ أَوْ يَنْفي الْوَلَدَ مِنْ أُمِّهِ:

قُلْت: أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: يَا ابْنَ الزَّانِيَيْنِ.
كَمْ يُضْرَبُ؟ أَيُضْرَبُ حَدًّا وَاحِدًا أَوْ حَدَّيْنِ في قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: حَدًّا وَاحِدًا.
أَرَأَيْت إنْ قَالَ: لَسْتَ لَفُلَانَةَ - لِأُمِّهِ - أَيَكُونُ عَلَيْهِ الْحَدُّ أَمْ لَا في قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ.
قُلْت: أَرَأَيْت الرَّجُلَ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ في وَلَدِهَا مِنْهُ: لَمْ تَلِدِي هَذَا الْوَلَدَ مِنِّي.
وَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: بَلْ قَدْ وَلَدْته؟
قَالَ: إنْ كَانَ أَقَرَّ بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ كَانَ وَلَدَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُلَاعِنَ فيهِ وَلَيْسَ بِقَاذِفٍ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: لَسْتَ لِأُمِّك. لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
قُلْت: وَلَا تَرَاهُ قَدْ قَطَعَ نَسَبَ ابْنِهِ هَذَا حِينَ قَالَ لَهُ: لَسْتَ لِأُمِّك؟
قَالَ: لَا، لَيْسَ فيهِ قَذْفٌ وَلَا قَطْعُ نَسَبٍ، وَلَوْ كَانَ هَذَا يَكُونُ في ابْنِهِ قَاطِعًا لِنَسَبِ ابْنِهِ كَانَ مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ: لَسْتَ لِأُمِّك قَاطِعًا لِنَسَبِهِ مِنْ أَبِيهِ، فَلَمَّا كَانَ في الْأَجْنَبِيِّ لَا يَكُونُ قَاطِعًا لِنَسَبِهِ مِنْ أَبِيهِ وَلَا قَاذِفًا لِأُمِّهِ إذَا قَالَ لَهُ: لَسْتَ لِأُمِّك، فَكَذَلِكَ الْأَبُ في وَلَدِهِ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَانَ لَمْ يُقِرَّ بِهِ قَطُّ وَلَمْ يَعْلَمْ بِالْحَبَلِ. فَلَمَّا وَلَدَتْهُ قَالَ: لَيْسَ هَذَا وَلَدَكِ وَلَمْ تَلِدِيهِ. وَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: الْوَلَدُ وَلَدِي، وَلَدْته عَلَى فِرَاشِكَ؟
قَالَ: الْوَلَدُ وَلَدُهُ إلَّا أَنْ يَنْفيهُ مِنْهُ، لِأَنَّ مَنْ أَقَرَّ بِالْوَطْءِ في قَوْلِ مَالِكٍ فَالْوَلَدُ وَلَدُهُ، فَإِنْ نَفَاهُ الْتَعَنَ. وَإِنْ نَكَلَ عَنْ اللِّعَانِ كَانَ الْوَلَدُ وَلَدَهُ وَلَمْ يُجْلَدْ الْحَدَّ، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا وَصَفْت لَك في الَّذِي قَالَ لِرَجُلٍ: لَسْت لِأُمِّك.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَطِئَ أَمَتَهُ فَأَقَرَّ بِوَطْئِهَا، ثُمَّ إنَّهَا جَاءَتْ بِوَلَدٍ.
فَقَالَ لَهَا سَيِّدُهَا: لَمْ تَلِدِيهِ، وَلَيْسَ هَذَا الْوَلَدُ وَلَدَك.
وَقَالَتْ الْأَمَةُ: بَلَى، قَدْ وَلَدْته مِنْك وَهُوَ مِنْ وَطْئِكَ إيَّايَ وَأَنْتَ مُقِرٌّ لِي بِالْوَطْءِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَقَرَّ بِوَطْءِ أَمَتِهِ فَجَاءَتْ بِوَلَدٍ فَالْوَلَدُ لَازِمٌ لِلسَّيِّدِ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْفيهُ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الِاسْتِبْرَاءَ قَبْلَ الْحَمْلِ.
فَأَمَّا إذَا قَالَ: لَمْ تَلِدِيهِ. وَلَمْ يَدَّعِ الِاسْتِبْرَاءَ، لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ لِأَنَّ الْجَارِيَةَ مُصَدَّقَةٌ في الْوِلَادَةِ حِينَ أَقَرَّ السَّيِّدُ بِالْوَطْءِ، لِأَنَّ وَلَدَهُ في بَطْنِهَا.
فَلَمَّا قَالَتْ: هُوَ هَذَا قَدْ وَلَدْتُهُ كَانَ وَلَدَهُ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ أَقَرَّ بِالْوَطْءِ فَالْوَلَدُ وَلَدُهُ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَرْأَةِ في الْوِلَادَةِ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ الِاسْتِبْرَاءَ قَبْلَ الْحَمْلِ.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ امْرَأَةً نَظَرَتْ إلَى رَجُلٍ فَقَالَتْ: هَذَا يَا ابْنِي - وَمِثْلُهُ يُولَدُ لِمِثْلِهَا - فَقَالَ: صَدَقَتْ هِيَ أُمِّي. أَيَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهَا في قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فيهِ شَيْئًا إلَّا أَنِّي لَا أَرَى أَنْ يَثْبُتَ نَسَبُهُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ هَهُنَا أَبٌ يُلْحَقُ بِهِ.
وَهَذَا خِلَافُ مَسْأَلَتِك الْأُولَى، لِأَنَّ مَسْأَلَتَك الْأُولَى، هُنَاكَ أَبٌ يُلْحَقُ بِهِ وَوَطْءٌ يَثْبُتُ فيهِ النَّسَبُ، هَهُنَا لَيْسَ أَبٌ وَإِنَّمَا يَدَّعِي وَلَدًا بِغَيْرِ أَبٍ فَلَا يُصَدَّقُ وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ مِنْهَا.

.فيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ يَا ابْنَ الْأَقْطَعِ أَوْ يَا ابْنَ الْأَسْوَدِ:

قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَجُلٍ: يَا ابْنَ الْأَقْطَعِ - وَوَالِدُهُ لَيْسَ بِأَقْطَعَ - أَيُحَدُّ أَمْ لَا في قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ مَالِكًا قَالَ: إنْ لَمْ يَكُنْ في آبَائِهِ أَقْطَعُ ضُرِبَ الْحَدَّ، وَإِنْ كَانَ في آبَائِهِ أَقْطَعُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ لَهُ: يَا ابْنَ الْحَجَّامِ أَوْ يَا ابْنَ الْخَيَّاطِ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ مِنْ الْعَرَبِ ضُرِبَ الْحَدَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ آبَائِهِ أَحَدٌ عَمِلَ ذَلِكَ الْعَمَلَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَوَالِي رَأَيْتُ أَنْ يَحْلِفَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا أَرَادَ بِهِ قَطْعَ نَسَبِهِ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ التَّعْزِيرُ.
قُلْت لِمَ فَرَّقَ في هَذَا بَيْنَ الْعَرَبِ وَالْمَوَالِي قَالَ: لِأَنَّهَا مِنْ أَعْمَالِ الْمَوَالِي.
قُلْت: فَإِنْ قَالَ لَهُ: يَا ابْنَ الْأَسْوَدِ قَالَ: يُضْرَبُ الْحَدَّ عِنْدَ مَالِكٍ عَرَبِيًّا كَانَ أَوْ مَوْلًى إلَّا أَنْ يَكُونَ في آبَائِهِ أَسْوَدُ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ لَهُ: يَا ابْنَ الْمُقْعَدِ أَوْ يَا ابْنَ الْأَعْمَى؟
قَالَ: هَذَا وَقَوْلُهُ يَا ابْنَ الْأَقْطَعِ سَوَاءٌ.
قَالَ: وَسَمِعْت مَالِكًا، وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا ابْنَ الْمُطَوَّقِ، يَعْنِي الرَّايَةَ الَّتِي تُجْعَلُ في الْعُنُقِ؟
قَالَ مَالِكٌ: مِمَّنْ هُوَ؟ قَالُوا: مِنْ الْمَوَالِي - فَلَمْ يَرَ عَلَيْهِ الْحَدَّ - وَكَأَنِّي رَأَيْتُهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ يَرَى أَنْ لَوْ كَانَ مِنْ الْعَرَبِ لَضَرَبَهُ الْحَدَّ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا قِيلَ لَهُ إنَّهُ مِنْ الْمَوَالِي قَالَ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَسَكَتَ عَنْ الْعَرَبِ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ لَهُ: يَا ابْنَ الْأَحْمَرِ أَوْ يَا ابْنَ الْأَزْرَقِ أَوْ يَا ابْنَ الْأَصْهَبِ أَوْ يَا ابْنَ الْآدَمِ - وَلَيْسَ أَبُوهُ كَذَلِكَ - قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ ذَلِكَ مِنْ مَالِكٍ إلَّا أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ في آبَائِهِ أَحَدٌ كَذَلِكَ ضُرِبَ الْحَدَّ.

.فيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ أَبْيَضَ يَا أَسْوَدُ أَوْ يَا أَعْوَرُ وَهُوَ صَحِيحٌ:

قُلْت: أَرَأَيْت رَجُلًا نَظَرَ إلَى رَجُلٍ أَبْيَضَ فَقَالَ لَهُ: يَا حَبَشِيُّ؟
قُلْت: إنْ كَانَ مِنْ الْعَرَبِ ضُرِبَ الْحَدَّ عِنْدَ مَالِكٍ لِأَنَّ الْحَبَشَةَ جِنْسٌ.
قُلْت: فَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَوَالِي قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ مَالِكًا قَالَ في الْمَوَالِي كُلِّهِمْ: مَنْ قَالَ لِبَرْبَرِيٍّ يَا فَارِسِيُّ أَوْ يَا رُومِيُّ أَوْ يَا نَبَطِيُّ أَوْ دَعَاهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ مِنْ الْبِيضِ كُلِّهِمْ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فيهِ، أَوْ قَالَ يَا بَرْبَرِيُّ وَهُوَ حَبَشِيٌّ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَقَدْ أَخْبَرْتُك قَبْلَ هَذَا بِالِاخْتِلَافِ عَنْ مَالِكٍ في الْحَبَشِيِّ.
وَلَوْ قَالَ لِبَرْبَرِيٍّ يَا حَبَشِيُّ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ في رَأْيِي.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ: يَا أَعْوَرُ - وَهُوَ صَحِيحٌ - أَوْ يَا مُقْعَدٌ - وَهُوَ صَحِيحٌ - عَلَى وَجْهِ الْمُشَاتَمَةِ؟
قَالَ: لَا يَكُونُ عَلَيْهِ في هَذَا شَيْءٌ إلَّا الْأَدَبَ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: مَنْ آذَى مُسْلِمًا أُدِّبَ.
قُلْت: أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَقُولُ لِلْعَرَبِيِّ: يَا مَوْلًى.
أَيُحَدُّ أَمْ لَا في قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت: أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَقُولُ لِلْعَرَبِيِّ: يَا عَبْدُ.
أَيُحَدُّ أَمْ لَا في قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت: فَإِنْ قَالَ لِمَوْلًى: يَا عَبْدُ؟ أَيُجْلَدُ الْحَدَّ أَمْ لَا في قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا أَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ إلَّا أَنِّي أَرَى أَنْ لَا حَدَّ عَلَيْهِ.
قُلْت: أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: يَا بُنَيَّ أَوْ يَا أَبِي؟
قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.

.فيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ يَا يَهُودِيُّ أَوْ يَا مَجُوسِيُّ أَوْ يَا نَصْرَانِيُّ:

قُلْت: أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: يَا يَهُودِيُّ أَوْ يَا نَصْرَانِيُّ أَوْ يَا مَجُوسِيُّ أَوْ يَا عَابِدَ وَثَنٍ؟
قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ في هَذِهِ السَّاعَةِ إلَّا أَنَّ هَذَا يُنَكَّلُ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ هَذَا النَّكَالُ أَيْضًا.
قُلْت: أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: يَا ابْنَ الْيَهُودِيِّ أَوْ يَا ابْنَ النَّصْرَانِيِّ أَوْ يَا ابْنَ الْمَجُوسِيِّ أَوْ يَا ابْنَ عَابِدِ وَثَنٍ؟
قَالَ: أَرَى فيهِ الْحَدَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَانَ أَحَدٌ مِنْ آبَائِهِ عَلَى مَا قِيلَ لَهُ، فَإِنْ كَانَ أَحَدٌ مِنْ آبَائِهِ كَذَلِكَ نُكِّلَ.
قُلْت: أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَقُولُ لِلرَّجُلِ: يَا حِمَارُ أَوْ يَا ابْنَ الْحِمَارِ؟
قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ في هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا النَّكَالُ.
قُلْت: فَهَلْ كَانَ يَحُدُّ لَكُمْ مَالِكٌ في هَذَا النَّكَالِ كَمْ هُوَ؟
قَالَ: لَا.

.فيمَنْ قَالَ جَامَعْتُ فُلَانَةَ في دُبُرِهَا أَوْ بَيْنَ فَخِذَيْهَا:

قُلْت: أَرَأَيْت إذَا قَالَ الرَّجُلُ: جَامَعْت فُلَانَةَ بَيْنَ فَخِذَيْهَا أَوْ في أَعْكَانِهَا؟
قَالَ: أَخَافُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ وَجْهِ التَّعْرِيضِ الَّذِي يُضْرَبُ فيهِ حَدَّ الْفِرْيَةِ كَامِلًا، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَتِرَ بِفَخِذَيْهَا أَوْ بِالْأَعْكَانِ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ في هَذَا بِعَيْنِهِ شَيْئًا إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا حَدَّ عِنْدَنَا إلَّا في نَفي أَوْ قَذْفٍ أَوْ تَعْرِيضٍ، يُرَى أَنَّ صَاحِبَهُ أَرَادَ بِهِ قَذْفًا، فَلَا تَعْرِيضَ أَشَدَّ مِنْ هَذَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَأَرَى فيهِ الْحَدَّ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ، لَا حَدَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِمَا رَمَاهُ بِهِ.
وَقَدْ تَرَكَ عُمَرُ زِيَادًا الَّذِي قَالَ: رَأَيْتُهُ بَيْنَ فَخِذَيْهَا.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ: فَعَلْت بِفُلَانَةَ في دُبُرِهَا فَقَامَتْ تَطْلُبُ بِحَدِّهَا؟
قَالَ: ذَلِكَ لَهَا.
قُلْت: فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا عَلَى إقْرَارِهِ حَدَدْتَهُ أَيْضًا حَدَّ الزِّنَا؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.

.فيمَنْ قُذِفَ فَارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ:

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَذَفْتُ رَجُلًا فَارْتَدَّ الْمَقْذُوفُ ثُمَّ رَجَعَ إلَى الْإِسْلَامِ فَطَلَبَنِي بِالْحَدِّ، أَتَضْرِبُنِي لَهُ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ قَذَفَهُ ثُمَّ ارْتَدَّ، أَوْ قَذَفَ وَهُوَ مُرْتَدٌّ، أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ في حَالِ ارْتِدَادِهِ، وَإِنْ تَابَ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ أَيْضًا.
وَإِنْ قَذَفَهُ أَحَدٌ وَهُوَ مُرْتَدٌّ ثُمَّ تَابَ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَذَفَهُ أَحَدٌ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ ثُمَّ ارْتَدَّ فَلَا حَدَّ عَلَى قَاذِفِهِ إنْ تَابَ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ قُذِفَ بِالزِّنَا فَلَمْ يُؤْخَذْ لَهُ بِحَدِّهِ حَتَّى زَنَى فَلَا حَدَّ عَلَى مَنْ قَذَفَهُ.

.فيمَنْ قَذَفَ مُلَاعَنَةً أَوْ ابْنَهَا:

قُلْت: أَرَأَيْت رَجُلًا قَذَفَ مُلَاعَنَةً مَعَهَا وَلَدٌ، وَإِنَّمَا الْتَعَنَتْ بِغَيْرِ وَلَدٍ، أَيُحَدُّ قَاذِفُهَا في قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، إذَا قَذَفَ مُلَاعَنَةً الْتَعَنَتْ بِوَلَدٍ أَوْ بِغَيْرِ وَلَدٍ، أَوْ كَانَ مَعَهَا وَلَدٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، ضُرِبَ الْحَدَّ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ لِوَلَدِ الْمُلَاعَنَةِ: لَسْتَ لِأَبُوكَ.
أَيُحَدُّ الْقَائِلُ لَهُ هَذَا؟
قَالَ: إنْ قَالَ لَهُ هَذَا في مُشَاتَمَةٍ ضُرِبَ الْحَدَّ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا يُخْبِرُ خَبَرًا، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ.
قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ في الْمُشَاتَمَةِ مِثْلَ مَا أَخْبَرْتُك.
قُلْت: أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَسْتَعِيرُ الْجَارِيَةَ أَوْ يَسْتَوْدِعُهَا أَوْ يَسْتَأْجِرُهَا أَوْ يَرْتَهِنُهَا فيطَؤُهَا، أَيُحَدُّ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ ارْتَهَنَ جَارِيَةً فَوَطِئَهَا إنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، فَمَا سَأَلْت عَنْهُ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ.

.كِتَابُ الرَّجْمِ:

.في كَشْفِ الشُّهُودِ عَنْ الشَّهَادَةِ في الزِّنَا:

قُلْت: أَرَأَيْت أَرْبَعَةً شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا، أَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ هَلْ زَنَى بِامْرَأَةٍ أَمْ لَا في قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُك بِمَا قَالَ مَالِكٌ في ذَلِكَ.
وَلَمْ أَسْمَعْهُ يَذْكُرُ الْمَرْأَةَ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: يَكْشِفُهُمْ عَنْ شَهَادَتِهِمْ، فَإِنْ رَأَى في شَهَادَتِهِمْ مَا يُبْطِلُ بِهِ الشَّهَادَةَ أَبْطَلَهَا.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ شَهِدُوا عَلَيْهِ بِالزِّنَا - وَهُمْ أَرْبَعَةٌ عُدُولٌ - وَالْقَاضِي لَا يَعْرِفُ، أَبِكْرٌ هُوَ أَمْ ثَيِّبٌ، أَيُقْبَلُ قَوْلُهُ إنَّهُ بِكْرٌ وَيَحُدُّهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا أَحْفَظُهُ، وَلَكِنَّهُ رَأْيِي لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ الَّذِي أَقَرَّ، أَبِكْرٌ أَنْتَ أَمْ ثَيِّبٌ.

.في الشَّهَادَةِ عَلَى الْإِحْصَانِ:

قُلْت: فَإِنْ قَامَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ بِالْإِحْصَانِ، رَجَمْتَهُ في قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت: فَهَلْ تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ مَعَ رَجُلٍ في الْإِحْصَانِ في قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا تَجُوزُ، لِأَنَّ شَهَادَتَهُنَّ في النِّكَاحِ لَا تَجُوزُ.

.في الرَّجُلِ يَزْنِي وَقَدْ كَانَ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَدَخَلَ بِهَا فَأَنْكَرَ مُجَامَعَتَهَا:

قُلْت: أَرَأَيْت إنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَتَطَاوَلَ مُكْثُهُ مَعَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا فَشَهِدُوا عَلَيْهِ بِالزِّنَا؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: مَا جَامَعْتُهَا مُنْذُ دَخَلْتُ عَلَيْهَا.
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فيهِ شَيْئًا إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي في شَيْءٍ كَلَّمْتُهُ فيهِ، فَقَالَ: إنَّهُ يُقَالُ: ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ.
فَهَذَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ جَامَعَهَا بَعْدَ طُهْرٍ أَوْ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِأَمْرٍ سُمِعَ مِنْ الزَّوْجِ بِالْإِقْرَارِ بِالْوَطْءِ، فَلَا أَرَى أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ سُمِعَ ذَلِكَ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّهُ مُقِرٌّ بِوَطْئِهَا، رَأَيْت أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ تَزَوَّجَ جَارِيَةً لَمْ تَبْلُغْ الْحَيْضَ ثُمَّ جَامَعَهَا ثُمَّ زَنَى، أَتَرْجُمُهُ في قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: تُحْصِنُهُ وَلَا يُحْصِنُهَا.
قُلْت: فَالْمَجْنُونَةُ تُحْصِنُهُ في قَوْلِ مَالِكٍ إذَا جَامَعَهَا؟
قَالَ: نَعَمْ في رَأْيِي لِأَنَّهَا زَوْجَةٌ، وَالزَّوْجُ لَا يُحْصِنُهَا إذَا كَانَتْ مِمَّنْ لَا تُفيقُ.
قُلْت: أَرَأَيْت الذِّمِّيَّيْنِ إذَا أَسْلَمَا وَهُمَا زَوْجَانِ ثُمَّ زَنَيَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يَطَأَهَا، أَيُرْجَمَانِ عِنْدَ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يُرْجَمَانِ عِنْدَ مَالِكٍ حَتَّى يَطَأَهَا بَعْدَ الْإِسْلَامِ.

.في الَّذِي تُجْمَعُ عَلَيْهِ الْحُدُودُ وَنَفي الزَّانِي:

قُلْت: هَلْ يَجْتَمِعُ الْحَدُّ وَالرَّجْمُ في الزِّنَا عَلَى الثَّيِّبِ في قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ، وَالثَّيِّبُ حَدُّهُ الرَّجْمُ بِغَيْرِ جَلْدٍ، وَالْبِكْرُ حَدُّهُ الْجَلْدُ بِغَيْرِ رَجْمٍ بِذَلِكَ مَضَتْ السُّنَّةُ.
قُلْت: أَرَأَيْت الْحَدَّ حَدَّ الزِّنَا في الْبِكْرِ وَحَدَّ شُرْبِ الْخَمْرِ وَحَدَّ الْفِرْيَةِ، أَيْنَ يُضْرَبُ في قَوْلِ مَالِكٍ؟ أَعْلَى الظَّهْرِ وَحْدَهُ أَمْ عَلَى جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ؟
قَالَ: بَلْ عَلَى الظَّهْرِ، وَلَا يَعْرِفُ مَالِكٌ الْأَعْضَاءَ.
قُلْت: أَرَأَيْت الْبِكْرَيْنِ إذَا زَنَيَا، هَلْ يَنْفيانِ جَمِيعًا - الْجَارِيَةُ وَالْفَتَى - في قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا نَفي عَلَى النِّسَاءِ في قَوْلِ مَالِكٍ؟ وَهَلْ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا في النَّفي، يُنْفَى هَذَا إلَى مَوْضِعٍ وَهَذِهِ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، وَهَلْ يُسْجَنَانِ في الْمَوْضِعِ الَّذِي يُنْفيانِ.
إلَيْهِ في قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا نَفي عَلَى النِّسَاءِ وَلَا عَلَى الْعَبِيدِ وَلَا تَغْرِيبَ.
قُلْت: فَهَلْ يُسْجَنُ الْفَتَى في الْمَوْضِعِ الَّذِي نُفي إلَيْهِ في قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ يُسْجَنُ، وَلَوْلَا أَنَّهُ يُسْجَنُ لَذَهَبَ في الْبِلَادِ.
قَالَ مَالِكٌ: لَا يُنْفَى إلَّا زَانٍ أَوْ مُحَارِبٌ، وَيُسْجَنَانِ جَمِيعًا في الْمَوْضِعِ الَّذِي يُنْفيانِ إلَيْهِ، يُحْبَسُ الزَّانِي سَنَةً وَالْمُحَارِبُ حَتَّى تُعْرَفَ لَهُ تَوْبَةٌ.

.فيمَا لَا يُحْصَنُ مِنْ النِّكَاحِ وَمَا يُحْصَنُ:

قُلْت: أَرَأَيْت النِّكَاحَ الَّذِي لَا يُقَرَّ عَلَى حَالٍ، هَلْ يَكُونُ الزَّوْجَانِ مُحْصَنَيْنِ في قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: كُلُّ نِكَاحٍ حَرَامٌ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ أَهْلُهُ، أَوْ نِكَاحٌ يَكُونُ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَفْسَخَهُ، أَوْ وَطْءٌ لَا يَحِلُّ وَإِنْ كَانَ في نِكَاحٍ حَلَالٍ يُقَرُّ عَلَيْهِ، مِثْلَ وَطْءِ الْحَائِضِ وَالْمُعْتَكِفَةِ وَالْمُحْرِمَةِ، فَهَذَا كُلُّهُ سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ في بَعْضِهِ، وَبَلَغَنِي عَنْهُ في بَعْضِهِ: إنَّهُمَا لَا يَكُونَانِ بِهِ مُحْصَنَيْنِ، وَلَا يَكُونَانِ مُحْصَنَيْنِ إلَّا بِنِكَاحٍ لَيْسَ إلَى أَحَدٍ فَسْخُهُ أَوْ إثْبَاتُهُ، وَوَطْءٌ بِوَجْهِ مَا يَحِلُّ وَيَجُوزُ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ تَزَوَّجَ أَمَةً بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهَا دَخَلَ بِهَا فَوَطِئَهَا فَزَنَى، أَيَكُونُ بِهَذَا النِّكَاحِ مُحْصَنًا أَمْ لَا؟
قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ في هَذَا شَيْئًا وَقَدْ بَلَغَنِي مِنْ قَوْلِهِ: إنَّهُ لَا يَكُونُ مُحْصَنًا.
قُلْت: أَرَأَيْت الْمَرْأَةَ الْحُرَّةَ، هَلْ يُحْصِنُهَا الْعَبْدُ في قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ إذَا كَانَتْ مُسْلِمَةً.
قُلْت: وَكَذَلِكَ الْمَجْنُونُ الَّذِي يُجَامِعُ قَالَ: نَعَمْ في رَأْيِي.

.(فيمَنْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا فَرَجَمَهُ الْإِمَامُ ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ شَهَادَتِهِمْ):

فيمَنْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا فَرَجَمَهُ الْإِمَامُ ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ شَهَادَتِهِمْ وَالْمَقْذُوفُ يَمْكُثُ بَعْدَ مَا قُذِفَ ثُمَّ يَمُوتُ هَلْ لِوَرَثَتِهِ الْقِيَامُ بِذَلِكَ وَالْفِرْيَةُ عَلَى الْمَرْجُومِ وَالْمَحْدُودِ:
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا فَرَجَمَهُ الْإِمَامُ ثُمَّ رَجَعُوا عَنْ شَهَادَتِهِمْ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ يُحَدُّوا وَيَضْمَنُوا دِيَتَهُ في أَمْوَالِهِمْ.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَذَفَ رَجُلًا، فَخَاصَمَهُ إلَى الْقَاضِي في الْقَذْفِ فَأَرَادَ أَنْ يُوقِعَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ بِالْقَذْفِ، فَمَاتَ الْمَقْذُوفُ قَبْلَ أَنْ يُوقِعَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ، أَيَكُونُ لِوَرَثَتِهِ أَنْ يَقُومُوا بِالْحَدِّ وَيُوقِعُوا الْبَيِّنَةَ في قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ، ذَلِكَ لَهُمْ إذَا قَامُوا أَوْ أَثْبَتُوا الْقَذْفَ، أُقِيمَ لَهُمْ الْحَدُّ عَلَيْهِ.
قُلْت: فَإِنْ قَذَفَ رَجُلٌ رَجُلًا فَلَمْ يُقِمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ وَلَمْ يَسْمَعُوا مِنْهُ الْعَفْوَ، فَتَرَكَهُ سَنَةً أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ ثُمَّ مَاتَ الْمَقْذُوفُ، فَقَامَ وَرَثَتُهُ يَطْلُبُونَ قَذْفَهُ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُمْ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فيهِ شَيْئًا، وَأَرَى مَا لَمْ يَتَطَاوَلْ ذَلِكَ وَيَرَى أَنَّ صَاحِبَهُ قَدْ تَرَكَهُ، فَأَرَى ذَلِكَ لِوَرَثَتِهِ.
أَمَّا إذَا تَطَاوَلَ ذَلِكَ حَتَّى يَرَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ تَارِكًا لِذَلِكَ، فَلَا أَرَى لِوَرَثَتِهِ فيهِ شَيْئًا، وَلَا يُشْبِهُ قِيَامُ الْوَرَثَةِ بِذَلِكَ قِيَامُ الْمَقْذُوفِ بَعْدَ طُولِ الزَّمَانِ لِأَنَّ الْمَقْذُوفَ بَعْدَ طُولِ زَمَانٍ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا كَانَ تَارِكًا لِذَلِكَ وَلَا كَانَ وُقُوفُهُ إلَّا عَلَى أَنْ يَقُومَ بِحَقِّهِ إنْ بَدَا لَهُ، فَأَرَى إنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ حَتَّى يَمُوتَ لَمْ أَرَ لِوَرَثَتِهِ فيهِ دَعْوَى، وَلَا يُؤْخَذُ لَهُمْ بِهِ إلَّا مَا كَانَ قَرِيبًا مِمَّا لَا يَتَبَيَّنُ مِنْ الْمَقْذُوفِ تَرْكٌ لِذَلِكَ، فَهَذَا الَّذِي أَرَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِوَرَثَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ.
قَالَ: وَلَقَدْ سَمِعْت مَالِكًا، وَسَأَلَهُ قَوْمٌ وَأَنَا عِنْدَهُ قَاعِدٌ عَنْ رَجُلٍ قُتِلَ وَلَهُ أُمٌّ وَعَصَبَةٌ فَمَاتَتْ الْأُمُّ.
فَقَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنَّ وَرَثَةَ الْأُمِّ إنْ أَحَبُّوا أَنْ يَقْتُلُوا قَتَلُوا، وَلَمْ يَكُنْ لِلْعَصَبَةِ أَنْ يَعْفُوا دُونَ أَمْرِهِمْ، كَمَا لَوْ كَانَتْ الْأُمُّ بَاقِيَةً.
فَجَعَلَهُمْ مَالِكٌ في ذَلِكَ مَكَانَهَا بَعْدَ مَوْتِهَا.

.في قَاذِفِ الْمَحْدُودِ وَمَنْ زَنَى بَعْضُ جَدَّاتِهِ:

قُلْت: أَرَأَيْت مَنْ افْتَرَى عَلَى رَجُلٍ مَرْجُومٍ في الزِّنَا أَوْ مَحْدُودٍ في الزِّنَا، أَيُحَدُّ حَدَّ الْفِرْيَةِ أَمْ لَا في قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ في رَجُلٍ قَذَفَ رَجُلًا فَقَالَ لَهُ: يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ.
وَفي أُمَّهَاتِهِ مَنْ جَدَّاتِهِ مَنْ قِبَلِ أُمِّهِ امْرَأَةٌ قَدْ زَنَتْ.
فَقَالَ: إنَّمَا أَرَدْت جَدَّتَك تِلْكَ الَّتِي قَدْ زَنَتْ.
قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ أَمْرًا مَعْرُوفًا أُحْلِفَ أَنَّهُ مَا أَرَادَ غَيْرَهَا، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ.
قُلْت: فَهَلْ يُنَكَّلُ في قَذْفِهِ هَؤُلَاءِ الزُّنَاةَ في قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ إذَا آذَى مُسْلِمًا نُكِّلَ.

.أَرْبَعَةٌ شَهِدُوا في الزِّنَا عَلَى رَجُلٍ ثُمَّ رَجَعَ أَحَدُهُمْ:

قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ أَرْبَعَةً شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا فَرَجَعَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الْإِمَامُ عَلَيْهِ الْحَدَّ، أَيَجْلِدُهُ الْحَدَّ وَيَجْلِدُ الثَّلَاثَةَ مَعَهُ في قَوْلَ مَالِكٍ أَمْ لَا يَجْلِدُ إلَّا الرَّاجِعَ وَحْدَهُ؟
قَالَ: نَعَمْ، يُجْلَدُ الرَّاجِعُ وَيُجْلَدُونَ الثَّلَاثَةُ كُلَّهُمْ حَدَّ الْفِرْيَةِ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ رَجَعَ أَحَدُهُمْ بَعْدَ إقَامَةِ الْحَدِّ؟
قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُك أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَى أَنْ يُجْلَدَ الرَّاجِعُ وَحْدَهُ وَلَا يُجْلَدُ الَّذِينَ بَقُوا الثَّلَاثَةَ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ شَهِدُوا أَرْبَعَةٌ عَلَى الزِّنَا وَأَحَدُهُمْ مَسْخُوطٌ أَوْ عَبْدٌ، أَيَحُدُّهُمْ كُلَّهُمْ الْقَاضِي؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُحَدُّونَ كُلُّهُمْ حَدَّ الْفِرْيَةِ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَا أَحَدُهُمْ عَبْدٌ أَوْ مَسْخُوطٌ فَلَمْ يَعْلَمْ الْإِمَامُ بِذَلِكَ حَتَّى أَقَامَ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ الْحَدَّ رَجْمًا أَوْ جَلْدًا ثُمَّ عَلِمَ بِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ؟
قَالَ: أَرَى أَنْ يُحَدَّ هَؤُلَاءِ الشُّهُودُ كُلُّهُمْ إذَا كَانَ أَحَدُهُمْ عَبْدًا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ مَسْخُوطًا لَمْ يُحَدُّوا.
وَالْمَسْخُوطُ في هَذَا مُخَالِفٌ لِلْعَبْدِ لِأَنَّهُ حُرٌّ، وَقَدْ اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ في تَعْدِيلِهِ وَتَزْكِيَتِهِ، فَلَا أَرَى عَلَيْهِمْ وَلَا عَلَيْهِ حَدًّا.
وَلَا يُشْبِهُ الْعَبْدُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ رَجَعَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ بَعْدَ إقَامَةِ الْحَدِّ وَقَدْ كَانُوا عُدُولًا، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ أَوَّلًا قَدْ ثَبَتَتْ بِعَدَالَةِ الَّذِينَ جُرِحُوا، وَإِنَّ الَّذِينَ كَانَ مِنْهُمْ الْعَبْدُ لَمْ تَثْبُتْ لَهُمْ شَهَادَةٌ، إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ خَطَأٌ مِنْ السُّلْطَانِ.
قُلْت: أَفيكُونُ لِهَذَا الْمَرْجُومِ عَلَى الْإِمَامِ دِيَةٌ أَمْ لَا؟ قَالَ إنْ كَانَ الشُّهُودُ عَلِمُوا بِذَلِكَ رَأَيْت الدِّيَةَ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمُوا رَأَيْتُهُ مِنْ خَطَأِ الْإِمَامِ، وَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْإِمَامِ، وَلَا يَكُونُ عَلَى الْعَبْدِ في الْوَجْهَيْنِ شَيْءٌ.

.شَهَادَةُ الْأَعْمَى في الزِّنَا وَخَطَأ الْإِمَامُ في حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ:

قُلْت: أَرَأَيْت الْأَعْمَى، هَلْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ عَلَى الزِّنَا في قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى الزِّنَا عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا عَلَى الرُّؤْيَةِ.
قُلْت: أَفيحَدُّ هَذَا الْأَعْمَى؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت: أَرَأَيْت مَا أَخْطَأَ بِهِ الْإِمَامُ مِنْ حَدٍّ هُوَ لِلَّهِ، أَيَكُونُ في بَيْتِ الْمَالِ أَمْ عَلَى الْإِمَامِ في مَالِهِ أَمْ يَكُونُ ذَلِكَ هَدَرًا؟
قَالَ: مَا سَمِعْت هَذَا مِنْ مَالِكٍ وَلَا بَلَغَنِي فيهِ شَيْءٌ وَأَرَى ذَلِكَ مِنْ خَطَأِ الْإِمَامِ، وَتَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثَ فَصَاعِدًا، وَمَا كَانَ دُونَ الثُّلُثِ فَفي مَالِ الْإِمَامِ خَاصَّةً.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ بِمَالٍ لِرَجُلٍ فَحَكَمَ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ أَحَدَ الشَّاهِدَيْنِ عَبْدٌ أَوْ مِمَّنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، أَيَرُدُّ الْقَاضِي ذَلِكَ الْمَالَ إلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ في قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَرَى أَنْ يَحْلِفَ مَعَ شَهَادَةِ الْبَاقِي وَيَتْرُكُ لَهُ الْمَالَ.
قَالَ: فَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْآخَرُ مَا عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَيُرَدُّ الْمَالُ إلَيْهِ.
وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْهُ مَا يُشْبِهُهُ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَانَ شَهِدَا عَلَيْهِ بِقَطْعِ يَدِ رَجُلٍ عَمْدًا، فَقَضَى الْقَاضِي.
بِشَهَادَتِهِمَا فَقَطَعَ يَدَ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ أَحَدَ الشَّاهِدَيْنِ عَبْدٌ أَوْ مِمَّنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، أَيَكُونُ لِهَذَا الَّذِي اُقْتُصَّ مِنْهُ عَلَى الَّذِي اقْتَصَّ لَهُ شَيْءٌ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فيهِ شَيْئًا وَلَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا.
قُلْت: أَفيكُونُ لَهُ عَلَى الَّذِي اُقْتُصَّ لَهُ دِيَةُ يَدِهِ مِثْلَ مَا قُلْت في الْمَالِ؟
قَالَ: لَا، وَأَرَى هَذَا مِنْ خَطَأِ الْإِمَامِ.

.شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا فَرَجَمَهُ الْإِمَامُ ثُمَّ أَصَابُوهُ مَجْبُوبًا:

قُلْت: أَرَأَيْت أَرْبَعَةً شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا فَرَجْمَهُ الْإِمَامُ ثُمَّ أَصَابُوهُ مَجْبُوبًا، أَيَحُدُّ الْإِمَامُ الشُّهُودَ في قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَالَ لِمَجْبُوبٍ: يَا زَانِي لَمْ يُحَدَّ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ مَتَاعُ الزِّنَا. فَهَؤُلَاءِ الشُّهُودُ الَّذِينَ ذَكَرْتَ لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ.
قُلْت: فَمَا تَصْنَعُ في رَجْمِهِ وَدِيَتِهِ؟
قَالَ: أَرَى عَلَيْهِمْ الْعَقْلَ في أَمْوَالِهِمْ مَعَ الْأَدَبِ الْمُوجِعِ وَالسِّجْنِ الطَّوِيلِ وَلَا يُقَصِّرُ في عُقُوبَتِهِمْ.

.في تَزْكِيَةِ الشُّهُودِ وَقَدْ غَابُوا أَوْ مَاتُوا:

قُلْت: أَرَأَيْت إذَا شَهِدُوا عَلَى الْحُدُودِ فَمَاتُوا أَوْ غَابُوا أَوْ عَمُوا أَوْ خَرِسُوا ثُمَّ زُكُّوا بَعْدَ ذَلِكَ، أَيُقِيمُ الْحَدَّ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ في قَوْلِ مَالِكٍ وَهَذَا في حُقُوقِ النَّاسِ أَيْضًا بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ يَحُدُّ لَنَا في هَذَا حَدًّا، وَأَرَى أَنْ يُقِيمَ الْحَدَّ إذَا زُكُّوا - وَهَذَا إذَا اسْتَأْصَلَ الشَّهَادَةَ - لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَكْشِفَهُمْ عَنْ الشَّهَادَةِ، لَعَلَّ فيهَا مَا يَدْرَأُ بِهِ عَنْ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ الْحَدَّ.
قَالَ: وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ في الْغَائِبِ في الْفِرْيَةِ وَالْحُدُودِ: إنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى شَهَادَةِ هَذَا الْغَائِبِ جَائِزَةٌ، فَلَمَّا جَوَّزَ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ في الْحُدُودِ عَلِمْنَا أَنَّ شَهَادَةَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرْت أَوَّلًا جَائِزَةٌ إذَا زُكُّوا بَعْدَمَا ذَكَرْتُ لَك مِنْ اسْتِئْصَالِ الشَّهَادَةِ.
قَالَ: وَمَا عَلِمْتُ أَنَّ مَالِكًا فَرَّقَ بَيْنَ الْحُدُودِ وَبَيْنَ الْحُقُوقِ، فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الشَّهَادَةِ جَائِزَةٌ إذَا خَرِسُوا أَوْ عَمُوا أَوْ غَابُوا.